خلال صوت الشباب: العشائرية تؤثر سلبا على فرص الشباب والنساء وتُضعف مبدأ تكافؤ الفرص

رام الله/فلسطين برس/ حذر علماء وناشطون من تنامي تأثير البنية العشائرية على حياة الشباب، مؤكدين أن بعض الممارسات المرتبطة بالعشائرية أصبحت عائقاً أمام المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتحد من فرص الشباب والنساء في الوصول إلى مناصب صنع القرار على أساس الكفاءة والجدارة.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من برنامج “صوت الشباب” على شبكة وطن الإعلامية، حيث تمت مناقشة موضوع “المجتمع القبلي وتأثيره السلبي على الشباب”، بمشاركة مدير مؤسسة التعاون لحل النزاعات الدكتور هاني سميرات، والصحفية والناشطة الشبابية راندا صليبي.
سميرات: هناك تجاوز على النظام العشائري على حساب الدولة المدنية
وقال د. هاني سميرات إن البنية العشائرية لا تزال تحتفظ بحضورها القوي في المجتمع الفلسطيني، بل إن تأثيرها ازداد في السنوات الأخيرة بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي يعيشها الفلسطينيون.
وأضاف: “للأسف ما نشهده اليوم هو أن هناك تعديا للنظام العشائري على ما يسمى بالدولة المدنية”، لافتا إلى أن القبيلة لعبت تاريخيا دورا مهما في حماية المجتمع والحفاظ على السلم المدني في ظل غياب الدولة الفلسطينية المستقلة.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن في وجود العشيرة نفسها، بل في بعض الاستخدامات السلبية للنفوذ العشائري، قائلاً: “العشائر هي خط الدفاع الأول عن المجتمع الفلسطيني ولها دور مهم في حماية النسيج الاجتماعي، لكن بعض المفاتيح التي أعطيت للعشيرة استخدمت أحياناً بطرق سلبية”.
الشباب بين الانتماء للأسرة والبحث عن الفرص العادلة
من جهتها، أكدت الصحفية والناشطة الشابة رندة صليبي، أن الأسرة الممتدة تمثل إحدى نقاط القوة في المجتمع الفلسطيني، لكنها قد تتحول في بعض الأحيان إلى عبئ على الشباب الباحثين عن فرص عادلة ومستقبل مستقل.
وقالت: “المظلة العائلية والعشائرية هي ما يميزنا كمجتمع فلسطيني وعربي، لكنها في الوقت الحاضر أصبحت ثقيلة جداً على الكثير من الشباب الباحثين عن فرص عادلة ومستقبل أكثر استقراراً بعيداً عن التعصب العائلي.
وأضافت أن الكثير من الشباب يشعرون أن مستقبلهم المهني والسياسي لا يتحدد دائما بقدراتهم ومؤهلاتهم، بل بتوازن القوى الأسرية والقبلية السائدة في المجتمع.
الواسطة والمحسوبية على حساب الكفاءة
وشدد سميرات على أن الانتماءات العائلية لا تزال تؤثر بشكل واضح على فرص العمل والمناصب العامة ومواقع صنع القرار.
وقال: “لا تزال الأسرة والعشيرة تلعبان دوراً كبيراً في مساعدة البعض على الوصول إلى مناصب صنع القرار أو الحصول على عمل بشكل أو بآخر”، محذراً من أن هذا الواقع يحرم الكثير من الشباب من حقهم في المنافسة العادلة.
وأضاف: “هناك عائلات صغيرة لا تملك القوة الكافية لتوفير احتياجات أطفالها، ولهذا تغيب أسماؤها عن مراكز القرار رغم مهاراتها وقدراتها”.
بدوره، أكد صليبي أن النفوذ العشائري لا يزال حاضرا في العديد من القطاعات، موضحا أن ذلك “يضعف ثقة الشباب بعدالة الفرص ويعطي الكثيرين الشعور بأن الكفاءة لم تعد المعيار الوحيد للوصول إلى الوظائف أو المناصب الإدارية”.
الانتخابات العشائرية والمحلية
وركزت المناقشة على تأثير القبلية على المشاركة السياسية، وخاصة في الانتخابات المحلية.
وقالت سميرات إنه غالباً ما يتم استثمار الشباب كأدوات انتخابية دون منحهم دوراً حقيقياً في صنع القرار، مضيفة: “تم استخدام الشباب كأدوات لدعم القوائم والأسماء الجاهزة، ولم يتم منحهم المساحة الكافية للتأثير الحقيقي على القرار السياسي”.
ورأى صليبي أن الاعتبارات العائلية والعشائرية تشكل دائما عاملا حاسما في نتائج الانتخابات المحلية، قائلا إن “المظلة العائلية هي في كثير من الأحيان ما يوجه ويحدد خصائص العملية الانتخابية ونتائجها”.
والنساء يدفعن الثمن الباهظ
وشدد كلا المتحدثين على أن النساء يتأثرن أكثر من الرجال ببعض الممارسات القبلية.
وقالت سميرات: “تدفع المرأة ثمناً أعلى بكثير من الشباب في النظام العشائري”، مشيرة إلى أن بعض العادات التقليدية لا تزال تحد من قدرة المرأة على المشاركة السياسية والاجتماعية وتؤثر على حريتها في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها.
وأضاف أن النساء غالباً ما يكونن الأقل تمثيلاً في عمليات الإصلاح القبلي وحل النزاعات، على الرغم من أن الكثيرات لديهن الخبرة والقدرة على المساهمة في حل المشاكل المجتمعية.
من جانبه تحدث صليبي عن تجربته الشخصية، موضحا أنه تعرض لضغوط عائلية خلال مشاركته في الانتخابات المحلية. وقالت إن بعض النساء يتم اختيارهن فقط للمشاركة الرسمية، دون منحهن مساحة حقيقية للتأثير وصنع القرار.
ويدعو إلى إعادة التوازن وتعزيز المواطنة
وشدد المشاركون على ضرورة الحفاظ على الدور الإيجابي للأسرة والعشيرة في التكافل الاجتماعي والدعم المجتمعي، مع الحد من الممارسات التي تقوض حقوق الشباب والنساء أو التي تقوض مبدأ تكافؤ الفرص.
وقالت سميرات: “لا نتحدث عن إلغاء دور العشيرة، بل عن تغيير ممارسات معينة وإعادة كرامة الشباب والنساء ضمن هذا النظام”، داعية إلى إعطاء الشباب أدواراً حقيقية في الحياة العامة وفي المؤسسات الأسرية نفسها.
أما صليبي، فرأت أنه من الضروري “تحقيق التوازن بين الحفاظ على الدور الإيجابي للأسرة وإمكانية مشاركة الشباب والنساء بفعالية في صنع القرار”، مؤكدة أن الشباب بحاجة إلى بيئة تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم وتحقيق طموحاتهم بعيدا عن الضغوطات والاصطفافات الأسرية.
واختتم المشاركون بالتأكيد على أن بناء مجتمع يقوم على المواطنة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص لا يتعارض مع الحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية، بل يتطلب إعادة توجيه دور العشيرة بحيث تكون داعما للتنمية والحقوق والحريات، وليس بديلا عنها.




