بين الحرب والحياة… كيف يعيش الفلسطينيون مونديال كأس العالم 2026؟

رام الله/فلسطين برس/ وصال أبو عليا – في الوقت الذي تستمر فيه حرب الاحتلال في قطاع غزة وتفرض إجراءاته العسكرية واقعا معقدا في الضفة الغربية، يجد الفلسطينيون في كأس العالم الذي يقترب من نهايته، مساحة نادرة لالتقاط أنفاسهم واستعادة القليل من الحياة التي سرقتهم منهم سنوات الحرب والاحتلال.
بين خيام العرض الجماعية والمقاهي والساحات العامة وشاشات الهواتف المحمولة، تتحول مباريات كأس العالم 2026 إلى أكثر بكثير من مجرد منافسات رياضية. في لحظات إنسانية تجمع الأهل والأصدقاء، وتؤكد أن الفلسطيني، رغم كل ما يمر به، لا يزال قادراً على الفرح ومتمسكاً بحقه الطبيعي في الحياة.
كأس العالم.. متنفس في وسط الحرب
ويرى رجل الأعمال وصاحب خيمة “يلا هدف” خالد الفارس، أن مبادرة إنشاء هذه الخيمة والحصول على أكبر شاشة عرض في فلسطين جاءت من إيماننا بأن التنمية لا تقتصر على المشاريع العمرانية، بل تبدأ ببناء الإنسان وتعزيز المسؤولية الاجتماعية. وأكد أن الهدف هو إدخال الفرحة على قلوب الفلسطينيين وإرسال رسالة للعالم بأن الشعب الفلسطيني قادر على البناء والعطاء وصناعة الأمل، ويستحق أن يعيش بسلام وكرامة مثل بقية شعوب العالم.
ويضيف الفارس أن الدخول المجاني لخيمة “يلا هدف” جاء لتخفيف العبء عن المواطنين، فهو جزء من المسؤولية المجتمعية التي يؤمن بها. وأكد أن المشاركة الجماهيرية القوية، والتي فاقت كل التوقعات، عكست حاجة الفلسطينيين إلى مساحات للتجمع بعيدا عن ضغوط الحرب والأخبار اليومية.
ويؤكد الفارس أن المبادرة أثبتت أيضاً أن الشعب الفلسطيني يحب إخوانه العرب ويتضامن مع كل المضطهدين في العالم ويؤمن بأن الرياضة رسالة إنسانية تجمع الناس ولا تفرقهم، وتعزز قيم العمل الجماعي والانتماء والتعاون.
ومن قطاع غزة، يؤكد الكاتب والناشط محمد دياب أن مشاركة الفلسطينيين في المونديال في ظل الحرب تمثل رسالة حزم في حد ذاتها، لأن الفلسطيني يعبر من خلالها عن إصراره على الحياة وقدرته على التكيف مع الواقع رغم قسوته. ويقول إن الفلسطيني رغم ما يعيشه ما زال يعتبر نفسه جزءا من هذا العالم ويتفاعل مع أحداثه ويبحث عن لحظات عادية ليعيشها مثل بقية شعوب الأرض.
متابعة البطولة بين غزة والضفة الغربية
ورغم وحدة المشاعر، إلا أن ظروف متابعة البطولة تختلف بشكل كبير بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي غزة، يوضح دياب أن تجربة المشاهدة تغيرت تماماً مقارنة بالبطولات السابقة، حيث أصبحت مشاهدة المباراة عبر الهاتف المحمول امتيازاً لا يمكن للجميع الحصول عليه بسبب محدودية خدمات الإنترنت وانقطاع التيار الكهربائي المستمر. ويتجمع أفراد الأسرة حول شاشة هاتف صغيرة، فيما يلجأ آخرون إلى المقاهي التي تم ترميم بعضها، أو الساحات العامة التي تبث فيها المباريات، في سياق اعتماد شبه كامل على المولدات الكهربائية ومصادر الطاقة المحدودة.
ويشير إلى أن مشاهدة المباريات أصبحت جزءا من المعاناة اليومية، تماما مثل الحصول على الماء أو المأوى أو الخبز، لكن الكثير من الناس يريدون اغتنام تلك اللحظات القليلة التي تمنحهم الشعور بالحياة.
أما في الضفة الغربية، ورغم استمرار الإغلاقات والحواجز والأوضاع الأمنية، فقد وفرت خيم العرض الجماعي والمقاهي مساحة اجتماعية تجمع المواطنين لمشاهدة المباريات، خاصة مباريات الفرق العربية، في أجواء أعادت بعضا من الحياة الطبيعية التي افتقدها الفلسطينيون خلال الفترة الماضية.
ويؤكد المختص بالشأن الرياضي محمد علوي أن كأس العالم ساهم في تعزيز التلاحم الاجتماعي، حيث تحولت خيم العرض إلى أماكن تجمع للعائلات والأصدقاء والمسؤولين والمواطنين في مشهد عفوي يعكس وحدة المجتمع، فيما أدخلت مباراتا المنتخبين المصري والمغربي الفرحة على بيوت الفلسطينيين وساعدت في التخفيف من آثار الحرب النفسية.
التأثير الاقتصادي لكأس العالم
ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، فإن تأثير كأس العالم لم يقتصر على الجانب الاجتماعي، بل امتد إلى النشاط التجاري في عدد من المدن الفلسطينية. وشهدت المقاهي وخيم العرض الجماعية إقبالا كبيرا في أيام المباريات، تزامنا مع زيادة في حركة المرور على متاجر بيع الأعلام والقمصان الرياضية ومستلزمات التشجيع، فضلا عن المطاعم ومنافذ الوجبات السريعة التي زاد الطلب عليها قبل وأثناء بدء المباريات. ورغم الأزمة الاقتصادية التي يواجهها الفلسطينيون، إلا أن البطولة مثلت فرصة لتغيير عجلة القطاعين التجاري والخدمي المرتبط بالحدث، وخلقت متنفسا اقتصاديا محدودا لعدد من أصحاب الأعمال الصغيرة الذين استفادوا من الزخم الجماهيري المصاحب للمباريات.
وفي هذا السياق، يؤكد الفارس أن التنظيم المجاني لخيمة “يلا هدف” لم يكن مشروعاً تجارياً، بل مبادرة مجتمعية تهدف إلى توفير مساحة حرة وآمنة للعائلات والشباب لمشاهدة المباريات، وبالتالي تخفيف الأعباء الاقتصادية عنهم ومنحهم فرصة للترفيه عن أنفسهم في ظل الظروف الاستثنائية، مؤكداً أن المسؤولية الاجتماعية جزء لا يتجزأ من رسالة الشركة.
التفاعل الشعبي والرقمي
ولم يقتصر الحضور الفلسطيني في المونديال على مناطق المشاهدة، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة موازية للبطولة. وامتلأت الصفحات الفلسطينية بالصور ومقاطع الفيديو والبث المباشر من خيم المعارض والمقاهي والساحات العامة، فضلا عن التعليق والتحليل والتفاعل مع نتائج المباريات، خاصة تلك التي جمعت المنتخبات العربية، في مشهد عكس مدى تمسك الفلسطينيين بالبطولة، رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشونها.
ويرى علوي أن الاهتمام الفلسطيني بهذه النسخة من المونديال كان مختلفا عن النسخ السابقة، بسبب مشاركة ثمانية منتخبات عربية لأول مرة في تاريخ البطولة، وهو ما انعكس بوضوح في حجم المتابعة والتفاعل الشعبي. ويؤكد أن الفلسطيني، رغم التعقيدات السياسية والاقتصادية التي يعيشها، تمكن من توجيه رسالة واضحة للعالم مفادها أنه إنسان يبحث عن الفرح والأمل والحياة، على عكس الصورة التي تحاول الآلة الدعائية الإسرائيلية إعطاءها عنه.
ويضيف علوي أن كأس العالم مثّل أيضًا فرصة للفلسطينيين لرد بعض الجميل للشعوب العربية والصديقة التي دعمت القضية الفلسطينية واعترفت العديد من حكوماتها بدولة فلسطين. ولذلك جاء الدعم الشعبي للمنتخبات العربية تعبيراً عن الشكر والانتماء، قبل أن يكون مجرد متابعة رياضية.
الهوية الفلسطينية في الحدث العالمي
كما كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في أجواء البطولة، سواء داخل الملاعب أو في المدرجات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لوحت بالعلم الفلسطيني وعرضت رسائل التضامن مع الشعب الفلسطيني، مؤكدة أن القضية لا تزال حاضرة في الوعي العالمي.
ويؤكد دياب أن حضور فلسطين في مونديال 2026 لم يكن أقل مما كان عليه في النسخ السابقة، لكنه ربما كان له تأثير أكبر، لأن البطولة جرت في الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل، وهو ما أعطى أي رسالة تضامن مع فلسطين بعدا سياسيا وإعلاميا مزدوجا.
ويشير دياب إلى أن المشهد الذي رفع فيه مدرب منتخب مصر حسام حسن العلم الفلسطيني أمام الجماهير، كان له دلالات رمزية كبيرة وتحول إلى رسالة إنسانية وسياسية حظيت بتفاعل واسع إعلاميا ومنصات التواصل الاجتماعي، وأكدت استمرار حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية رغم كل محاولات تهميشها.
ويعتبر دياب أن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية فحسب، بل هي قضية أخلاقية وإنسانية أيضا، وبالتالي فإن أي حدث عالمي مهما كانت طبيعته يتحول إلى فضاء من الحضور الفلسطيني، مؤكدا أهمية استثمار هذه المناسبات لتعزيز الرواية الفلسطينية أمام الرأي العام العالمي.
من جانبه، يؤكد علوي أن الفلسطينيين شعروا بأن المنتخبات العربية تمثل جزءا من أحلامهم وطموحاتهم في هذه البطولة، ولهذا دعموها بكل حب وحماس، معتبرا أن هذا التشجيع جسد عمق الانتماء العربي، وعزز قيم التضامن بين الشعوب، وأثبت أن الرياضة قادرة على توحيد الشعوب حول القيم الإنسانية المشتركة.
أما الفارس فيرى أن الرياضة ليست مجرد تنافس على الألقاب، بل هي رسالة إنسانية تعزز قيم العمل الجماعي والتعاون والمحبة، وأن المبادرات المجتمعية المصاحبة لكأس العالم أثبتت أن الشعب الفلسطيني، رغم الحرب والاحتلال، لا يزال قادراً على خلق الفرحة وإرسال رسالة حضارية للعالم مفادها أنه شعب يحب الحياة ويستحق أن يعيشها بسلام وكرامة.
بين خيمة في الضفة الغربية وساحة عامة أو شاشة هاتف محمول في قطاع غزة، كتب الفلسطينيون تاريخهم الخاص مع بطولة كأس العالم. ولم تكن البطولة بالنسبة لهم مجرد مباريات أو منافسة على لقب عالمي، بل كانت مساحة للتشبث بالحياة وتجديد الأمل واستعادة بعض تفاصيل الحياة التي سلبتها الحرب.
وعلى الرغم من الحصار والدمار والاحتلال، أثبت الفلسطينيون أن الرياضة يمكن أن تجمع الناس معًا، وتبني التماسك المجتمعي وتطور الاقتصاد المحلي، ولو بطريقة محدودة، كما أنها وفرت منصة جديدة لإبقاء القضية الفلسطينية في الوعي العالمي. ومن بين هتافات الجماهير وأعلام المنتخبات الوطنية، بقي العلم الفلسطيني حاضرا أيضا، مؤكدا أن شعبا يناضل من أجل حريته لا يتنازل عن حقه في الفرح ولا يفقد الإيمان بالحياة مهما كانت الظروف.



